كثر الحديث عن الحالة الثقافية السعودية، ولكن، في الحقيقة إنه ما من حالة ثقافية سعودية! كل ما هنالك هو "صيحات" ثقافية تبرز لفترة معينة ثم تضمحل، كصيحة "الرواية السعودية" التي تفجرت في مرحلة ما وغصت بها دور النشر العربية، وخاصة تلك التي تكتبها روائيات من النساء، لكنها سرعان ما "اهترأت" أمام عوامل التعرية وخفت حضورها. والسر الحقيقي أمام انتشارها، هو مجرد أنها أغرت القارئ المحلي والعربي والعالمي بقدرتها على كشف المستور في مجتمع يلفه الغموض، ويعجّ بالخصوصيات التي يعجز القارئ غير السعودي على فهمها، ولكنها في الآن ذاته تكسب هذا المجتمع سحراً يشد "الآخر" إلى هتك أسراره.
أي أننا وبلغة أخرى، لم نخلق حالة ثقافية جاذبة، بقدر ما جعلنا من أنفسنا "حكاية مخلوقات فضائية"، يستمتع القارئ بسبر أغوارها.
لكي نخلق حالة ثقافية حقيقية، علينا أن نعود إلى ما هو حقيقي. إلى تلك الرقصات في القرى، وتلك الأشعار في البادية، وتلك الصور المتزاحمة في عقل ومخيلة ذلك الريفي الذي يتوسد الحصى، ويتلحف النجوم. ومن هناك ننطلق.
لست "أتفلسف" أو "أنظر"، بل أعتمد على قراءة التجارب الثقافية في المجتمعات التي تحترم الثقافة فعلاً، ولديها هوية ثقافية حضارية حقيقية.
عمل بيتهوفن جاهداً في تدوين الموسيقى الشعبية الألمانية، ليستقي منها معظم أعماله بعد أن يخضعها لعملية تطويرية ترتقي بتلك الألحان من كونها "شعبية تلقائية" إلى "كلاسيكية عالمة". وكذلك كان يفعل الموسيقي (براهمز) الذي كتب أشهر أعماله تحت عنوان "رابسودي هنغارية".
أما في الأدب، فقد اعتمدت أعمال أهم شاعر وكاتب برز في العصور الوسطى دانتي أليجيري على صياغة المفاهيم الشعبية للاهوت المسيحي في قالب أدبي وفلسفي.
لا أريد أن أطيل الحديث، لكنني أؤمن أن ما ينقصنا لتأسيس حالة ثقافية أصيلة، تمهد لنشوء هوية ثقافية حضارية سعودية معاصرة، هو قراءة معمقة في هويتنا الثقافية الحقيقية، والتأسيس عليها.
لا يوجد في المكتبة السعودية كتاب واحد يعالج "المجس الحجازي" وأنواعه، وأغراضه، ويدون ألحانه بالنوتة الموسيقية، ولا يوجد كتاب يتحدث عن "الرحماني" وعاداته، واختلافه من منطقة لمنطقة، لأنه في حقيقة الأمر، لا يوجد متخصصون، وإن وجدوا، فما من جهات معنية بدعم أبحاثهم ودراساتهم. لذلك، إنشاء تلك المؤسسات هي الخطوة الأولى للخروج من القرن الواحد والعشرين بهوية ثقافية حضارية نفخر بتقديمها للعالم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق