ما انفكّت تشغل أفكاري تلك الجدليّة العقيمة، والأسئلة المُحبطة: ما الذي أفعله أنا كمؤلّف موسيقيّ ومتخصّص في العلوم الموسيقيّة في هذا العالم؟ بماذا أنا قادر أن أفيد البشريّة أوعلى الأقل أن أفيد وطني؟ كلّما شاهدت أخبار الساعة الثامنة غدوت أفكّر: هل إذا ألّفت للأطفال الجوعى في العالم بيانو سوناتا سيفرحون؟
هل إذا ذهبت إلى فلسطين وعلّمتهم الفرق بين نغمتي السيكا والبياتي سينتهي الحصار وينتهي معه كل آلامهم وأحزانهم؟
وبين الحين والآخر تطرأ أمام عينيّ تلك الصورة السرياليّة الساخرة: فأرى نفسي في وسط تفجير "بغدادي"، وسط صيحات الثكالى وأنّات الجرحى، ولا أجد ما أقوله أو أفعله، إلاّ أن أن أغنّي لهم "الورد جميل"!!
أو وسط تفجير "لبناني"، فتتلعثم كلمات المواساة على أطراف شفتاي ولساني، ولا أجد ما أقول سوى أن أشرح لهم الأبعاد الفكريّة والفلسفيّة والنفسيّة لرائعة المؤلّف الموسيقي ريتشارد شتراوس "هكذا تكلّم زرادشت". إنّ هذا كلّ ما أتقنه في الحياة!
أوصلتني كل تلك الجدليّات التي تتخبط في رأسي إلى قناعة: أنّ إخواننا من عُمّال النّظافة هم أقدر على خدمة الإنسانيّة منّي، وتمنّيت لو أنّني عرفت هذا قبل فعملت زبّالاً. اخترت أن أكون زبّالاً لأنّني أضعف من أن أكون طبيباً، فبرأيي عامل النّظافة والطبيب هما المهنتان الأنبل على وجه الأرض.
بناء على هذا، فإنّ أيّ زبّال هو أهم من بيتهوفن. تسعون بالمئة من العالم لا يعنيهم بيتهوفن، بينما إضراب عُمّال النظافة لأسبوع يعني كارثة بيئيّة لا يستطيع إنقاذنا من تبعاتها الصحية إلاّ الأطبّاء. فأين قيمة بيتهوفن في سيناريو كهذا؟؟!
استقررت على هذه القناعة "المؤلمة" فترة من الزّمن، ولكنّها ظلّت تبدو لي -رغم منطقيّة التحليل- غير منطقيّة، ولكنّني مضطرّ إلى قبولها ما دام رُشْدي لم يهدني إلى قناعة أرسخ.
في يوم من الأيّام أصابتني نوبة زكام، فقدّت خلالها حاسّة تذوّقي، ولم أعد أستمتع بالأطعمة التي لطالما كنت أحب.
لطالما كانت أمّي تضع عطر ياسمين خفيف، وكنت كلّما شممت عطراً يُشبهه، يهفو قلبي لأقبّل جبينها، فأتّصل بها لأقول لها كم اشتقت إليها.
رحت أفكّر، ماذا إذا استيقظ العالم كلّه وقد فقد ذاكرته؟ ماذا إذا فجأة نسينا أسماء أحبّائنا، وألوان عيونهم، وروائح أجسادهم؟ ما قيمة الحياة دون ذاكرة؟ ماذا إذا نسي الزوجان الأغنية التي رقصا عليها أول مرة ليلة زفافهما؟ أو الأغنية التي تبادلا عليها أولى نظرات الإعجاب؟ ماذا إذا نسيت الشعوب الموسيقى التي تذكّرهم بأوطانهم، بأهاليهم، بأحبّائهم؟ ماذا إذا نسوا الرقصات التي كانوا يحتفلون بها في أزقّة طفولتهم في الأعياد والمناسبات السعيدة، أيّة بؤس يكون هذا؟
الإنسان ذاكرة، وذاكرة الإنسانيّة فنونها. وحدهم الفنّانون يهبون الإنسانيّة ذاكرتها، ويبثّون الحياة في الجغرافيا الصمّاء لتصير "أوطاناً".
بيتهوفن لم يكن ألمانيّاً! بل (ألمانيا) هي بيتهوفن، وموتزارت، وفاغنر...
لذلك نجد تماثيلهم الصغيرة، وصورهم على الطوابع تُباع كتذكارات للسوّاح في كل أنحاء ألمانيا.. لأن هم من جعلوا (ألمانيا).. (ألمانيا).
هل إذا ذهبت إلى فلسطين وعلّمتهم الفرق بين نغمتي السيكا والبياتي سينتهي الحصار وينتهي معه كل آلامهم وأحزانهم؟
وبين الحين والآخر تطرأ أمام عينيّ تلك الصورة السرياليّة الساخرة: فأرى نفسي في وسط تفجير "بغدادي"، وسط صيحات الثكالى وأنّات الجرحى، ولا أجد ما أقوله أو أفعله، إلاّ أن أن أغنّي لهم "الورد جميل"!!
أو وسط تفجير "لبناني"، فتتلعثم كلمات المواساة على أطراف شفتاي ولساني، ولا أجد ما أقول سوى أن أشرح لهم الأبعاد الفكريّة والفلسفيّة والنفسيّة لرائعة المؤلّف الموسيقي ريتشارد شتراوس "هكذا تكلّم زرادشت". إنّ هذا كلّ ما أتقنه في الحياة!
أوصلتني كل تلك الجدليّات التي تتخبط في رأسي إلى قناعة: أنّ إخواننا من عُمّال النّظافة هم أقدر على خدمة الإنسانيّة منّي، وتمنّيت لو أنّني عرفت هذا قبل فعملت زبّالاً. اخترت أن أكون زبّالاً لأنّني أضعف من أن أكون طبيباً، فبرأيي عامل النّظافة والطبيب هما المهنتان الأنبل على وجه الأرض.
بناء على هذا، فإنّ أيّ زبّال هو أهم من بيتهوفن. تسعون بالمئة من العالم لا يعنيهم بيتهوفن، بينما إضراب عُمّال النظافة لأسبوع يعني كارثة بيئيّة لا يستطيع إنقاذنا من تبعاتها الصحية إلاّ الأطبّاء. فأين قيمة بيتهوفن في سيناريو كهذا؟؟!
استقررت على هذه القناعة "المؤلمة" فترة من الزّمن، ولكنّها ظلّت تبدو لي -رغم منطقيّة التحليل- غير منطقيّة، ولكنّني مضطرّ إلى قبولها ما دام رُشْدي لم يهدني إلى قناعة أرسخ.
في يوم من الأيّام أصابتني نوبة زكام، فقدّت خلالها حاسّة تذوّقي، ولم أعد أستمتع بالأطعمة التي لطالما كنت أحب.
لطالما كانت أمّي تضع عطر ياسمين خفيف، وكنت كلّما شممت عطراً يُشبهه، يهفو قلبي لأقبّل جبينها، فأتّصل بها لأقول لها كم اشتقت إليها.
رحت أفكّر، ماذا إذا استيقظ العالم كلّه وقد فقد ذاكرته؟ ماذا إذا فجأة نسينا أسماء أحبّائنا، وألوان عيونهم، وروائح أجسادهم؟ ما قيمة الحياة دون ذاكرة؟ ماذا إذا نسي الزوجان الأغنية التي رقصا عليها أول مرة ليلة زفافهما؟ أو الأغنية التي تبادلا عليها أولى نظرات الإعجاب؟ ماذا إذا نسيت الشعوب الموسيقى التي تذكّرهم بأوطانهم، بأهاليهم، بأحبّائهم؟ ماذا إذا نسوا الرقصات التي كانوا يحتفلون بها في أزقّة طفولتهم في الأعياد والمناسبات السعيدة، أيّة بؤس يكون هذا؟
الإنسان ذاكرة، وذاكرة الإنسانيّة فنونها. وحدهم الفنّانون يهبون الإنسانيّة ذاكرتها، ويبثّون الحياة في الجغرافيا الصمّاء لتصير "أوطاناً".
بيتهوفن لم يكن ألمانيّاً! بل (ألمانيا) هي بيتهوفن، وموتزارت، وفاغنر...
لذلك نجد تماثيلهم الصغيرة، وصورهم على الطوابع تُباع كتذكارات للسوّاح في كل أنحاء ألمانيا.. لأن هم من جعلوا (ألمانيا).. (ألمانيا).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق