كلّنا ننتظر "ضربة العمر" التي ستأتي من غامض علمه وتُفرّج كلّ همومنا. أورثنا ثقافة الانتظار العبثي هذه أباً عن جد. أوضح ملامح هذه الثقافة هي مشهد سوق الأسهم السعوديّ: لا شيء فيه منطقي، وكلّه قائم على ثقافة تلك الدعوة الأموميّة الرقيقة: "إلهي تمسك التراب يقلب في يديك ذهبا يا ولدي"!!.
في تمشية سريعة في أحد أهم المكتبات في المملكة تجد أن الكتب الأكثر مبيعاً هي كتب الوصفات السحرية التي تتجاوز –بمنتهى الغرور- كل مفاهيم الجهد والتعب والمثابرة والسنن الأرضية: "كيف تصبح مليونيراً في سبعة شهور؟"، "كيف تصبح مشهوراً في ستة أسابيع؟" "كيف تصبح محبوباً في ست أيّام؟"، "كيف تصبح إعلاميّاً في ثلاثة أيّام؟!!" إلى آخر هذه السلسلة من الكتب التي "عقلنة" و"علمنة" ثقافة "العصا السحرية" في مجتمعنا أكثر وأكثر.
في أوائل الألفية الثانية، كنت متابعاً لـ "موضة" التدريب والدورات التي اكتسحت مجتمعنا في تلك الفترة، على أيادي مدرّبين كانوا كلّهم يُعلن عنهم أنّهم: "من أعظم مدرّبي العالم، وإنجازاتهم تفوق الخيال".
أغلب تلك الدورات كانت تدور حول علوم "غامضة" قادمة من خلاصات علوم المشرق والمغرب، والتي من شأنها أن تُغيّر حياة الفرد إلى الأبد، وتصنع منه إنساناً ناجحاً في ثلاثة أيّام و9000 ريال سعودي فقط لا غير.
نعم، في ثلاثة أيّام فقط ستتجاوز كل مخاوفك، وتقلع عن التدخين، وتصبح أباً رائعاً، وزوجاً محبوباً، وإنساناً فعالاً وناجحاً في مجتمعك، إذا تعلّمت تلك العلوم "السحريّة". وكان، ومازال الإقبال على تلك الدّورات عالياً إلى درجة لا يتصوّرها عقل!
وجد مجتمعنا في تلك العلوم "السحريّة" خلاصاً سريعاً له من همومه، ودوّامات فشله اللامنتهية. ولكنّها هذه المرة ليست على يد شيخ يُشعل البخور، ويقرأ التمائم، بل على يد بروفيسور أنيق سيرته الذاتيّة حافلة بالإنجازات "الخرافيّة" والقائمة على العلم!!
ولكن، ثقافة "السحر" هي الأساس كيفما تنكّرت، وفي أي زيٍّ أطلّت علينا. تلك الثقافة التي تعدنا بالحل السريع دون تعب أوأخذ بالأسباب، والتي توفّر على الفرد آلام التفكير والتخطيط والمثابرة والفشل والهزيمة تارة والنجاح تارة. وتجعل منه أسيراً لثقافة "الحلم والصلاة"!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق