الثلاثاء، 5 يوليو 2011

كفاية "فلسفة"!

منذ ثلاث سنوات رجعت إلى المملكة العربية السعودية، لأستقر في وطني بعد غياب طال لخمس سنوات قضيتها في الخارج بين الدراسة والعمل الأكاديمي والصحفي بين الحين والآخر.
خلال تلك الخمس سنوات اعتدت أن أجلس أمام شاشة الكمبيوتر حوالي الساعة العاشرة مساء من كل يوم، لأكتب مقالة أو قصيدة. أذهب بها في الصباح لأقرأها وأناقشها مع زملائي الأكاديميين وأساتذتي، قبل نشرها في صحيفة أو مجلة ما.
خلال تلك الخمس سنوات، اعتدت الكلام في أي موضوع، وطرح أفكاري بكل حرية. حتى ولو اختلف معي الآخر، لكنه يظل دائماً إلى حد ما على استعداد للجدل و (الأخذ والعطاء).
لكنني مذ عدت، وكل المقرّبين منّي يطلبون مني السكوت، وتخفيف "الفلسفة والتفلسف" في المجالس العامة.
 الفلسفة، حسب تعريف بسيط أودّ أن أقترحه، هي: تحطيم كل المسلّمات ونثر جزيئاتها على طاولة البحث والمحاكمة والجدل، ثمّ إعادة لملمة تلك الجزيئات بعد أن يكون قد حاكمها العقل للوصول إلى حقيقة ما، قد تتوافق نتيجة المحاكمة مع المُسلّم به، وقد تختلف. حتى عندما تتوافق النتائج، ترتقي تلك "المسلّمة" من كونها فعلاً ذات طابع غرائزي لا يحمل أية آثار للعقل، إلى كونها فعل "قدسي" يستمدّ قداسته من قداسة "العقل" الإنساني الذي به أكرمنا الله عن باقي خلقه، وبه استخلفنا على هذه الأرض.
كل فعل دنيوي أو أخروي، إذا لم يكن قائماً على "العقل" و "المحاكمة"، فهو تسفيه لأقدس ما خلق الله: "العقل". والفعل إذا كان مسلّماً به دون محاكمة، هو دوماً أدنى مرتبة من ذات الفعل وقد خضع لمحاكمة العقل.
منذ طفولتنا، واعتدنا أن تحمل لفظة "الفلسفة" طابعأ سلبيّاً، كقول: "لا تتفلسف"، أو وصف شخص ما سلبيّاً بصفة أنّه شخص "فيلسوف". (وطبعاً، هي تلك الصفة التي لازمتني كل فترة طفولتي ومراهقتي). 
على العموم، ليس غريباً أن يُضطهد "العقل" وأفعاله من "التفلسف" و "التأمّل" و "المحاكمة" في مجتمعاتنا. فمجتمعاتنا في أغلبها لم تزل ذات طابع "بخوري"! لم تستطع حتى الآن الانتقال من المعابد ومباخرها، إلى جوهر "الإسلام" حيث المعبد الحقيقي هو "القلب" و "العقل". قال سيد الخلق، عليه أفضل السلام والتسليم: "استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك" صدق رسوله الكريم.
مجتمعات كمجتمعنا، لطالما كانت الفلسفة عدوّها اللدود، لأنّها الكفيل بتحطيم جميع "قوائم المسلّمات" التي تركن إليها لتستريح من "آلام العقل" و "مغص القلب" الذي قد ينتج عن تحطيم تلك "القوائم" اللامنتهية، والمتوارثة وفق منطق "نتبع ما ألفينا عليه آباؤنا".
في جدال لي مع أحد "المنفتحين" من مجتمعنا، استطعت أن أسايره حتى عشرين مسلّماً لا يجوز الاقتراب منهم أو الجدال حولهم: أركان الإيمان الست، أركان الإسلام الخمس، الخمر، الميسر، الزنا، أكل مال الحرام، الشرك و الكفر، القرآن، ما صحّ من الأحاديث، عقوق الوالدين، إباحة زواج المسيار!!! وهنا توقّفت عن الجدال، لأنّ كمّ "المسلّمات" التي تحيط بنا، وتُفرض علينا فجاءة،  كفيلة أن توقف أعمال "العقل" إلى حدّ التعفّن والصّدأ.
 يقول أرسطو: (إما أن التفلسف ضروري فلا بد من التفلسف، وإما أنه غير ضروري فلا بد أيضاً من التفلسف لإثبات عدم ضرورته)!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق