"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، "استفت قلبك وإن أفتوك"، "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، "إنما أجازي العباد على قدر عقولهم"، "إلي مرجعكم فأحكم بينكم"، "لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"، كلها تعلن نهاية السلطة الكنسية، وتقدس عقل الفرد حكماً ومحاكماً في جميع الأمور بعد حكم الله وحده.
ولكن، لا تزال تلك السلطة "المقدسة" ذات الطابع المركزي تصارع من أجل استعادة أمجادها الضائعة، والتي سقطت مع بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسقطت في أوروبا المسيحية بعدها بحوالي 12 قرناً من الزمان مع الثورة الفرنسية.
في عهد الرسول –عليه أفضل الصلاة والسلام- تعددت قراءات القرآن، ولم يسع الرسول إلى توحيدها، وبعد موته، اختلف المسلمون وانقسموا، وبعدها تعددت المذاهب الإسلامية فنشأت أربعة مذاهب تنبثق من أصل الرسالة المحمدية (تلك التي يقرها أهل السنة والجماعة)، وفي العصور المتقدمة ازدهرت التيارات الفكرية والفلسفية وتنوعت، ومع ذلك عاشت في كنف ما نطلق عليه "حكماً إسلامياً"، ولم تحرق الكتب ويصادر الفكر إلا في عصور الانحطاط.
الثقافة الإسلامية تتناقض في جوهرها مع مفهوم "السلطة البابوية"، فهي تُعمل عقل الفرد في كل جانب من جوانب الحياة، "أفلا يتفكرون"، "أفلا يعقلون"، "أفلا يفقهون"، "لأولي الألباب"، "لأولي الأبصار"، فإعمال العقل أصل من أصول الثقافة الإسلامية، على عكس الدين المسيحي الذي تغلب عليه العاطفة، ومفهوم "الخلاص" المتعلق بفرد أو بسلطة أحادية، لا يتم فعل "الخلاص" إلا من خلاله أو من خلالها، فهي بدورها تملي على أتباع تلك الثقافة جميع تصرفاتهم ومعتقداتهم وشرائعهم وسنن حياتهم.
الثقافة الإسلامية لم تهب تلك السلطة لأحد حصرياً، فوهبت جزءاً منها للسلطة السياسية ممثلة بالحاكم، وجزءاً منها للمجتمع ممثلاً بالعرف ("خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين")، والجزء الأكبر لعقل الفرد ومحاكمته.
هذه الثقافة بطبيعتها المتجردة استفزت كثيراً من المجتمعات الإسلامية لخلق طريق مادي محسوس للـ "الخلاص"، فعلقت أحلامها "الخلاصية" بأفراد يأخذون على عاتقهم مسؤولية "خلاص" الأمة، كولاية الفقيه. ومجتمعات أخرى، علقت "خلاصها" بأفراد يأتون من الغيب أو من وراء الحجب كالبهائية والإسماعيلية.
الحرية الكريمة للعقل، والعبودية الخالصة لله الواحد الأحد المجرد عن كل تجسيد، واللتان وهبتهما الثقافة الإسلامية للفرد كانت عبئاً ثقيلاً لم يحتمله الكثيرون. فراحوا نحو القيود والعبودية لغير الله، لأن ذلك يعطيهم شعور الثقة بالـ "الخلاص" من خلال شيء محسوس، بدلاً من أخذ عبء "الخلاص" على مسؤوليتهم الفردية من خلال الواحد الذي لا تدركه الأبصار.
ولولا هذه الحرية، لما كنت أتمتع بحقي في كتابة هذا المقال، مع أنني لا أنتمي لأي سلطة ثقافية أو دينية مهيمنة، إلا عقلي الذي أكرمني الله به.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق