الأربعاء، 13 يوليو 2011

الشعب ساهر... يندب حظه مع "ساهر"

شعبنا المسكين غدا يعاني من "النظام"، قد أثقلت الحكومة كاهله بقوانينها الصارمة. "ساهر" و "منع التدخين في المطارات والدوائر الحكومية" و "الأرقام المنظمة في الدوائر الحكومية"، و "الوقوف في الطوابير"، "والغرامات المالية على رمي القاذورات في الشارع"، وغيرها وغيرها وغيرها.
ماذا تريدون من هذا الشعب المسكين؟ أن يصبح حضارياً؟ أن تغرسوا فيه ثقافة النظام؟
إنه يعاني! "ساهر" غدا حديث المجالس. الشعب ساهر يفكر في ساهر.
الشعب يريد الموت على الطرقات في سبيل استعراضاته البهلوانية بالسيارات الفارهة. الشعب يريد التزاحم وخلق معارك على "الدور" في الدوائر الحكومية. الشعب اعتاد على رمي قاذوراته في الشارع دون رقيب، لأن هناك وافد وظيفته أن ينظف خلفه وسخه. الشعب غدا يستمتع بالتلوث البصري والسمعي والبيئي على حد سواء.
تخيلوا أن الحكومة منعت المواطن المسكين من التدخين في المطار في عز "خرمته" على سيجارة! بعد أن جارت عليه خطوط الطيران ومنعته من التدخين على متن طائراتها. منعته من إلحاق الضرر بالأطفال والعجائز والمرضى!
الفوضى واللامسؤولية ثقافة اجتماعية راسخة في مجتمعنا.
نستهلك في تنظيف سيارة كمية من الماء تروي أفريقيا كلها، فما بالك بتنظيف الـ "حوش"؟! 
موائد فرح واحد نقيمه تطعم جوعى الصومال كلهم!
أشعلوا كل الأنوار في منازلكم العمرانة، فالكهرباء رخيصة!
والأسوأ من ذلك، إياك أن تتعب نفسك بالتصويب داخل الكرسي في الحمامات العامة، فهناك من سينظف وراءك.
وحين تتوضأ، فلتسق كل الأرض من حولك، فالماء رخيص!
لا تبال بالإرشادات التي تحذرك أن "أفضلية السير لمن بداخل الدوار". يا عزيزي، أفضلية السير لك أينما كنت، داخل الدوار، خارج الدوار، على الرصيف، على الإشارة، قاطعاً للإشارة، أياً يكن!
ارم قاذوراتك أينما شئت. أزعج الناس ببوق سيارتك متى شئت. ارفع صوت المسجل في شقتك كيفما تشاء. لا تبال بأحد.
وعندما تسافر في إجازتك السنوية إلى دول الغرب، تذكر أن تفعل كل المذكور أعلاه أثناء إقامتك. لتقضي ما تبقى من حياتك في السجن!! وتنفق ثرواتك كلها غرامات!
إن اتهمتموني أنني مع النظام ضد الشعوب، فهذا مدعاة فخر لي، ووسام على صدري.
نعم، أنا مع النظام، ومع كل نظام يفرض النظام. لأنه بالنظام فقط تنتظم حياة الشعوب.

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

الحالة الثقافية السعودية

كثر الحديث عن الحالة الثقافية السعودية، ولكن، في الحقيقة إنه ما من حالة ثقافية سعودية! كل ما هنالك هو "صيحات" ثقافية تبرز لفترة معينة ثم تضمحل، كصيحة "الرواية السعودية" التي تفجرت في مرحلة ما وغصت بها دور النشر العربية، وخاصة تلك التي تكتبها روائيات من النساء، لكنها سرعان ما "اهترأت" أمام عوامل التعرية وخفت حضورها. والسر الحقيقي أمام انتشارها، هو مجرد أنها أغرت القارئ المحلي والعربي والعالمي بقدرتها على كشف المستور في مجتمع يلفه الغموض، ويعجّ بالخصوصيات التي يعجز القارئ غير السعودي على فهمها، ولكنها في الآن ذاته تكسب هذا المجتمع سحراً يشد "الآخر" إلى هتك أسراره.
أي أننا وبلغة أخرى، لم نخلق حالة ثقافية جاذبة، بقدر ما جعلنا من أنفسنا "حكاية مخلوقات فضائية"، يستمتع القارئ بسبر أغوارها.
لكي نخلق حالة ثقافية حقيقية، علينا أن نعود إلى ما هو حقيقي. إلى تلك الرقصات في القرى، وتلك الأشعار في البادية، وتلك الصور المتزاحمة في عقل ومخيلة ذلك الريفي الذي يتوسد الحصى، ويتلحف النجوم. ومن هناك ننطلق.
لست "أتفلسف" أو "أنظر"، بل أعتمد على قراءة التجارب الثقافية في المجتمعات التي تحترم الثقافة فعلاً، ولديها هوية ثقافية حضارية حقيقية.
عمل بيتهوفن جاهداً في تدوين الموسيقى الشعبية الألمانية، ليستقي منها معظم أعماله بعد أن يخضعها لعملية تطويرية ترتقي بتلك الألحان من كونها "شعبية تلقائية" إلى "كلاسيكية عالمة". وكذلك كان يفعل الموسيقي (براهمز) الذي كتب أشهر أعماله تحت عنوان "رابسودي هنغارية".
أما في الأدب، فقد اعتمدت أعمال أهم شاعر وكاتب برز في العصور الوسطى دانتي أليجيري على صياغة المفاهيم الشعبية للاهوت المسيحي في قالب أدبي وفلسفي.
لا أريد أن أطيل الحديث، لكنني أؤمن أن ما ينقصنا لتأسيس حالة ثقافية أصيلة، تمهد لنشوء هوية ثقافية حضارية سعودية معاصرة، هو قراءة معمقة في هويتنا الثقافية الحقيقية، والتأسيس عليها.
لا يوجد في المكتبة السعودية كتاب واحد يعالج "المجس الحجازي" وأنواعه، وأغراضه، ويدون ألحانه بالنوتة الموسيقية، ولا يوجد كتاب يتحدث عن "الرحماني" وعاداته، واختلافه من منطقة لمنطقة، لأنه في حقيقة الأمر، لا يوجد متخصصون، وإن وجدوا، فما من جهات معنية بدعم أبحاثهم ودراساتهم. لذلك، إنشاء تلك المؤسسات هي الخطوة الأولى للخروج من القرن الواحد والعشرين بهوية ثقافية حضارية نفخر بتقديمها للعالم.

الاثنين، 11 يوليو 2011

ثقافة "التطنيش"

كثير من المرات أحسب أن بريدي الإلكتروني لا يعمل، أو هاتفي لا يتصل، وذلك عندما أتصل ألف اتصال ولا أحد يرد، أو أرسل ألف إيميل، ولا أحد يستجيب.
ما ثقافة "التطنيش" التي ننتهجها في حياتنا اليومية؟ بإمكانك أن تكون صريحاً وواضحاً ومباشرا وحتى سلبياً، وترد على هاتفك أو بريدك. ولكن... لا تتجاهله!
من أبجديات فن العلاقات العامة أن ترد على كل اتصال أو إيميل يردك، وإن كانت إجابتك على المتصل سلبية فيما يخص طلبه، فبمصارحتك وتوضيحك للأمور، تساعده على البحث في خيارات بديلة، وتنظيم خطط جديدة. لكنك بتجاهلك لاتصالاته ورسائله، أنت تدخله في متاهة لا يستطيع الخروج منها إلا بعد أن يسيطر عليه اليأس.
وما أتحدث عنه يصبح مؤلماً حينما يتعلق بالتقديم على وظائف. فالمواطن المسكين على الطرف الآخر من الخط يعلق آماله، ويتصور سيناريوهات متعددة لعدم إجابتك على تقديمه. لكنه في الحقيقة قد تكون غير راغب بتوظيفه، وكل ما يتوجب عليك هو أن تتواصل معه لإبلاغه أنه غير مناسب للوظيفة أو للمنصب، لينطلق من بعدها إلى خيارات أخرى.
لكننا ننتهج ثقافة "التطنيش" إما غروراً ولامبالاة، أو عجزاً عن المواجهة. وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة هي إلحاق الألم والشعور بالخيبة لدى الطرف الآخر.
عاتب الله رسوله الكريم المصطفى لأنه تجاهل الأعمى وسؤاله، ونزلت آية قرآنية خالدة بهذا الخصوص. فأين نحن من خير خلق الله حتى نجرؤ على تجاهل إنسان؟
لكننا منذ طفولتنا نرد على الهاتف بدل والدنا، فيومئ لنا بأن "نصرّف" المتصل بإبلاغه أن "الوالد غير موجود". ومن تلك اللحظة تبدأ حكاية "التطنيش" ولا تنتهي معنا.

السبت، 9 يوليو 2011

السرقة التي يبيحها المجتمع!!

لم يتبلور الخطاب الديني في المملكة ليعالج الحلال والحرام في أشكاله المعاصرة. لا تزال السرقة حرام بالطبع، لكنها أخذت أشكالاً حديثة في ظل تطور العصر.
تجد شخصاً يملك أحدث الهواتف الجوالة بقيمة تتجاوز الثلاثة آلاف ريال، وكمبيوتر محمول بأكثر من عشرة آلاف ريال، لا يجد أية مشاحة في تحميل البرامج المقرصنة بأرخص الأسعار. فهو لا يعتبر ذلك سرقة. ومن غير الممكن إقناعه بأن تلك سرقة للجهود الفكرية التي بذلها مصمموا تلك البرامج. بينما الشخص نفسه لا يمكن أن يفكر بسرقة قلم أو مسطرة، لأنه تربى على أن ذلك "سرقة" محرمة.
لم يلعب الخطاب الديني المعاصر دوره التوعوي في هذا الشأن، فنشأت مراكز تجارية متكاملة لبيع البرامج المقرصنة دون وجود أية رقابة سلطوية أو ضميرية أخلاقية حقيقية.
نحن لم نترب ثقافياً على احترام الفكر، لذلك لا نبالي بسرقته دون حاجة مادية لذلك. ليس هناك اضطرارا حقيقياً لسرقة لعبة كمبيوتر، وليست هناك حاجة حقيقية لسرقة ألبوم موسيقي. مع أن الشركات العالمية المنتجة درست سبل محاربة القرصنة من كل النواحي، فخفضت أسعار البرامج أو الأغاني إلى حدود بعيدة لتصبح بأسعار رمزية هي في كثير من الأحيان لا تتجاوز 0.99 دولار، ومع ذلك فالمواطن السعودي يشتري الهاتف بثلاثة آلاف، لأن ذلك يعزز قيمته الاجتماعية بين أقرانه، لكنه غير مستعد لدفع 3 ريالات قيمة برنامج على ذلك الجهاز، وهنا تكمن المفارقة.
لم تكتف الدول المتقدمة بمحاربة القرصنة من خلال الرقابة ووضع الغرامات، لكنها روجت لوعي ثقافي يستنكر شراء كل ما هو مقرصن، وساعدها على ذلك الثقافة الاجتماعية التي تحترم الثقافة والفكر وإيتاء كل ذي حق حقه.
عزيزي القارئ، إنك بشرائك لكل ما هو مقرصن تحرم مصمم البرنامج، أو الموسيقي، أو الشاعر حق تعبه، وجهد فكره وإبداعه الذي بذله ليجعل حياتك ممتعة. كما أنك تشتري متعة السيارة بالمال، ومتعة الطعام بالمال، فلماذا لا تشتري متعة الفكر والثقافة بالمال؟

آمل أن أكون بهذا المقال استوقفتك للحظة قبل أن تقدم على سرقة هي أكثر حرمانية من سرقة المادة، ألا وهي سرقة الفكر، أغلى ما ميز الله به الإنسان، وبه استخلف البشر على الأرض.

الجمعة، 8 يوليو 2011

كيف تمضي أوقات فراغك في ساعات العمل؟

يتجول بين المكاتب، يوزّع البسمات تارة والسلامات تارة أخرى. يتمشى في الممرّات االضيّقة وهو يستجرّ قدميه من شدّة الكسل. دخل علي ذاك الصباح وهو يتنهّد تنهّدات الضجر القاتل، وسألني: كيف تمضي أوقات فراغك في ساعات العمل؟
هممت أن أضحك للطرفة التي حسبته يمازحني بها، لكنّني اكتشفت أنّ ما من طرفة في سؤاله، فهو جاد، وقد أتاني طالباً النصيحة!
كيف تمضي أوقات فراغك في ساعات العمل؟ هو لم ينتبه للتناقض المنطقي في سؤاله، فالجواب كامن في السؤال! ولكن، بالنسبة له مصطلح "العمل" هو كلمة مفهومها متعلّق بوقت محدّد، كقوله: الصباح، المساء، الظهيرة، ساعات العمل... إلخ، ومكان محدّد، فتجده إذا سأله أحدهم عن مكانه أجابه: في العمل! كقوله: في المنزل، في الحمّام، في العمل... إلخ

أزمتنا حقيقيّة مع فلسفة "العمل"، ومفهوم "العمل"، وأهداف "العمل".
"العمل" ليس زماناً وليس مكاناً، "العمل"... عمل!!

كيف تمضي أوقات فراغك في ساعات العمل؟ أجبته: أذهب إلى المنزل، لكي أوفّر ثمن الكهرباء التي سأستهلكها أثناء وجودي في "العمل"!!

الأربعاء، 6 يوليو 2011

الحلم علينا والصلاة على "الست الوالدة"

كلّنا ننتظر "ضربة العمر" التي ستأتي من غامض علمه وتُفرّج كلّ همومنا. أورثنا ثقافة الانتظار العبثي هذه أباً عن جد. أوضح ملامح هذه الثقافة هي مشهد سوق الأسهم السعوديّ: لا شيء فيه منطقي، وكلّه قائم على ثقافة تلك الدعوة الأموميّة الرقيقة: "إلهي تمسك التراب يقلب في يديك ذهبا يا ولدي"!!.

في تمشية سريعة في أحد أهم المكتبات في المملكة تجد أن الكتب الأكثر مبيعاً هي كتب الوصفات السحرية التي تتجاوز –بمنتهى الغرور- كل مفاهيم الجهد والتعب والمثابرة والسنن الأرضية: "كيف تصبح مليونيراً في سبعة شهور؟"، "كيف تصبح مشهوراً في ستة أسابيع؟" "كيف تصبح محبوباً في ست أيّام؟"، "كيف تصبح إعلاميّاً في ثلاثة أيّام؟!!" إلى آخر هذه السلسلة من الكتب التي "عقلنة" و"علمنة" ثقافة "العصا السحرية" في مجتمعنا أكثر وأكثر.

في أوائل الألفية الثانية، كنت متابعاً لـ "موضة" التدريب والدورات التي اكتسحت مجتمعنا في تلك الفترة، على أيادي مدرّبين كانوا كلّهم يُعلن عنهم أنّهم: "من أعظم مدرّبي العالم، وإنجازاتهم تفوق الخيال".

أغلب تلك الدورات كانت تدور حول علوم "غامضة" قادمة من خلاصات علوم المشرق والمغرب، والتي من شأنها أن تُغيّر حياة الفرد إلى الأبد، وتصنع منه إنساناً ناجحاً في ثلاثة أيّام و9000 ريال سعودي فقط لا غير.

نعم، في ثلاثة أيّام فقط ستتجاوز كل مخاوفك، وتقلع عن التدخين، وتصبح أباً رائعاً، وزوجاً محبوباً، وإنساناً فعالاً وناجحاً في مجتمعك، إذا تعلّمت تلك العلوم "السحريّة". وكان، ومازال الإقبال على تلك الدّورات عالياً إلى درجة لا يتصوّرها عقل!

وجد مجتمعنا في تلك العلوم "السحريّة" خلاصاً سريعاً له من همومه، ودوّامات فشله اللامنتهية. ولكنّها هذه المرة ليست على يد شيخ يُشعل البخور، ويقرأ التمائم، بل على يد بروفيسور أنيق سيرته الذاتيّة حافلة بالإنجازات "الخرافيّة" والقائمة على العلم!!

ولكن، ثقافة "السحر" هي الأساس كيفما تنكّرت، وفي أي زيٍّ أطلّت علينا. تلك الثقافة التي تعدنا بالحل السريع دون تعب أوأخذ بالأسباب، والتي توفّر على الفرد آلام التفكير والتخطيط والمثابرة والفشل والهزيمة تارة والنجاح تارة. وتجعل منه أسيراً لثقافة "الحلم والصلاة"!!

"الحلم" علينا، و "الصلاة والبخور" على "الست الوالدة". بينما البروفيسور "المشعوذ" يطمئننا "علميّاً" أننا "مثقّفون"، و "نمتلك أسرار النجاح كلها" في "ذواتنا العظيمة"، والمستلقية إلى ما بعد الظُّهر على الفراش، لممارسة مهارات وتقنيات النجاح التي تعلّمناها في دورة الليلة الفائتة!!!

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

كفاية "فلسفة"!

منذ ثلاث سنوات رجعت إلى المملكة العربية السعودية، لأستقر في وطني بعد غياب طال لخمس سنوات قضيتها في الخارج بين الدراسة والعمل الأكاديمي والصحفي بين الحين والآخر.
خلال تلك الخمس سنوات اعتدت أن أجلس أمام شاشة الكمبيوتر حوالي الساعة العاشرة مساء من كل يوم، لأكتب مقالة أو قصيدة. أذهب بها في الصباح لأقرأها وأناقشها مع زملائي الأكاديميين وأساتذتي، قبل نشرها في صحيفة أو مجلة ما.
خلال تلك الخمس سنوات، اعتدت الكلام في أي موضوع، وطرح أفكاري بكل حرية. حتى ولو اختلف معي الآخر، لكنه يظل دائماً إلى حد ما على استعداد للجدل و (الأخذ والعطاء).
لكنني مذ عدت، وكل المقرّبين منّي يطلبون مني السكوت، وتخفيف "الفلسفة والتفلسف" في المجالس العامة.
 الفلسفة، حسب تعريف بسيط أودّ أن أقترحه، هي: تحطيم كل المسلّمات ونثر جزيئاتها على طاولة البحث والمحاكمة والجدل، ثمّ إعادة لملمة تلك الجزيئات بعد أن يكون قد حاكمها العقل للوصول إلى حقيقة ما، قد تتوافق نتيجة المحاكمة مع المُسلّم به، وقد تختلف. حتى عندما تتوافق النتائج، ترتقي تلك "المسلّمة" من كونها فعلاً ذات طابع غرائزي لا يحمل أية آثار للعقل، إلى كونها فعل "قدسي" يستمدّ قداسته من قداسة "العقل" الإنساني الذي به أكرمنا الله عن باقي خلقه، وبه استخلفنا على هذه الأرض.
كل فعل دنيوي أو أخروي، إذا لم يكن قائماً على "العقل" و "المحاكمة"، فهو تسفيه لأقدس ما خلق الله: "العقل". والفعل إذا كان مسلّماً به دون محاكمة، هو دوماً أدنى مرتبة من ذات الفعل وقد خضع لمحاكمة العقل.
منذ طفولتنا، واعتدنا أن تحمل لفظة "الفلسفة" طابعأ سلبيّاً، كقول: "لا تتفلسف"، أو وصف شخص ما سلبيّاً بصفة أنّه شخص "فيلسوف". (وطبعاً، هي تلك الصفة التي لازمتني كل فترة طفولتي ومراهقتي). 
على العموم، ليس غريباً أن يُضطهد "العقل" وأفعاله من "التفلسف" و "التأمّل" و "المحاكمة" في مجتمعاتنا. فمجتمعاتنا في أغلبها لم تزل ذات طابع "بخوري"! لم تستطع حتى الآن الانتقال من المعابد ومباخرها، إلى جوهر "الإسلام" حيث المعبد الحقيقي هو "القلب" و "العقل". قال سيد الخلق، عليه أفضل السلام والتسليم: "استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك" صدق رسوله الكريم.
مجتمعات كمجتمعنا، لطالما كانت الفلسفة عدوّها اللدود، لأنّها الكفيل بتحطيم جميع "قوائم المسلّمات" التي تركن إليها لتستريح من "آلام العقل" و "مغص القلب" الذي قد ينتج عن تحطيم تلك "القوائم" اللامنتهية، والمتوارثة وفق منطق "نتبع ما ألفينا عليه آباؤنا".
في جدال لي مع أحد "المنفتحين" من مجتمعنا، استطعت أن أسايره حتى عشرين مسلّماً لا يجوز الاقتراب منهم أو الجدال حولهم: أركان الإيمان الست، أركان الإسلام الخمس، الخمر، الميسر، الزنا، أكل مال الحرام، الشرك و الكفر، القرآن، ما صحّ من الأحاديث، عقوق الوالدين، إباحة زواج المسيار!!! وهنا توقّفت عن الجدال، لأنّ كمّ "المسلّمات" التي تحيط بنا، وتُفرض علينا فجاءة،  كفيلة أن توقف أعمال "العقل" إلى حدّ التعفّن والصّدأ.
 يقول أرسطو: (إما أن التفلسف ضروري فلا بد من التفلسف، وإما أنه غير ضروري فلا بد أيضاً من التفلسف لإثبات عدم ضرورته)!!

الاثنين، 4 يوليو 2011

راتي... واتي...

تخرّج الشاب من الثانويّة، وذهب لأبيه وقال له: أريد أن أدرس وأحترف التصوير، فأجابه والده مستنكراً: تريد أن تصبح "مصوّراتي"؟!
هل يعرف تولستوي أنّ شغلته وفق هذا المنطق هي: حكواتي؟ و آنتوني كوين: مشخّصاتي؟ وبافاروتّي: مغنّواتي؟ وبيتهوفن: مزّيكاتي؟
نعم، بيتهوفن مزّيكاتي، وعازف الأورغ مع "لعّابة" أو "طقاقة" الحي هو مزّيكاتي كذلك!
هذه الـ "اتي" تختصر حالة اجتماعية ووعياً ثقافيّاً لا يحترم الفن، ولا يُقدّر الثقافة، ولو ادّعى أصحابها غير ذلك.
يا تُرى كم "اتي" من أمثال بيتهوفن يُدفن يوميّاً في مجتمعنا وراء مكتب في بنك؟ أو يعمل مسؤولاً تسويقيّاً لشركة عصيرات؟
لكي لا يُصيبه وأهله العار الآتي من الـ "اتي"! 

الأحد، 3 يوليو 2011

عقلك في راسك... تعرف خلاصك!!

"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، "استفت قلبك وإن أفتوك"، "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، "إنما أجازي العباد على قدر عقولهم"، "إلي مرجعكم فأحكم بينكم"، "لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"، كلها تعلن نهاية السلطة الكنسية، وتقدس عقل الفرد حكماً ومحاكماً في جميع الأمور بعد حكم الله وحده.
ولكن، لا تزال تلك السلطة "المقدسة" ذات الطابع المركزي تصارع من أجل استعادة أمجادها الضائعة، والتي سقطت مع بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسقطت في أوروبا المسيحية بعدها بحوالي 12 قرناً من الزمان مع الثورة الفرنسية.
في عهد الرسول –عليه أفضل الصلاة والسلام- تعددت قراءات القرآن، ولم يسع الرسول إلى توحيدها، وبعد موته، اختلف المسلمون وانقسموا، وبعدها تعددت المذاهب الإسلامية فنشأت أربعة مذاهب تنبثق من أصل الرسالة المحمدية (تلك التي يقرها أهل السنة والجماعة)، وفي العصور المتقدمة ازدهرت التيارات الفكرية والفلسفية وتنوعت، ومع ذلك عاشت في كنف ما نطلق عليه "حكماً إسلامياً"، ولم تحرق الكتب ويصادر الفكر إلا في عصور الانحطاط.
الثقافة الإسلامية تتناقض في جوهرها مع مفهوم "السلطة البابوية"، فهي تُعمل عقل الفرد في كل جانب من جوانب الحياة، "أفلا يتفكرون"، "أفلا يعقلون"، "أفلا يفقهون"، "لأولي الألباب"، "لأولي الأبصار"، فإعمال العقل أصل من أصول الثقافة الإسلامية، على عكس الدين المسيحي الذي تغلب عليه العاطفة، ومفهوم "الخلاص" المتعلق بفرد أو بسلطة أحادية، لا يتم فعل "الخلاص" إلا من خلاله أو من خلالها، فهي بدورها تملي على أتباع تلك الثقافة جميع تصرفاتهم ومعتقداتهم وشرائعهم وسنن حياتهم.
الثقافة الإسلامية لم تهب تلك السلطة لأحد حصرياً، فوهبت جزءاً منها للسلطة السياسية ممثلة بالحاكم، وجزءاً منها للمجتمع ممثلاً بالعرف ("خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين")، والجزء الأكبر لعقل الفرد ومحاكمته.
هذه الثقافة بطبيعتها المتجردة استفزت كثيراً من المجتمعات الإسلامية لخلق طريق مادي محسوس للـ "الخلاص"، فعلقت أحلامها "الخلاصية" بأفراد يأخذون على عاتقهم مسؤولية "خلاص" الأمة، كولاية الفقيه. ومجتمعات أخرى، علقت "خلاصها" بأفراد يأتون من الغيب أو من وراء الحجب كالبهائية والإسماعيلية.
الحرية الكريمة للعقل، والعبودية الخالصة لله الواحد الأحد المجرد عن كل تجسيد، واللتان وهبتهما الثقافة الإسلامية للفرد كانت عبئاً ثقيلاً لم يحتمله الكثيرون. فراحوا نحو القيود والعبودية لغير الله، لأن ذلك يعطيهم شعور الثقة بالـ "الخلاص" من خلال شيء محسوس، بدلاً من أخذ عبء "الخلاص" على مسؤوليتهم الفردية من خلال الواحد الذي لا تدركه الأبصار.
ولولا هذه الحرية، لما كنت أتمتع بحقي في كتابة هذا المقال، مع أنني لا أنتمي لأي سلطة ثقافية أو دينية مهيمنة، إلا عقلي الذي أكرمني الله به.

السبت، 2 يوليو 2011

بين بيتهوفن والزّبّال!!

ما انفكّت تشغل أفكاري تلك الجدليّة العقيمة، والأسئلة المُحبطة: ما الذي أفعله أنا كمؤلّف موسيقيّ ومتخصّص في العلوم الموسيقيّة في هذا العالم؟ بماذا أنا قادر أن أفيد البشريّة أوعلى الأقل أن أفيد وطني؟ كلّما شاهدت أخبار الساعة الثامنة غدوت أفكّر: هل إذا ألّفت للأطفال الجوعى في العالم بيانو سوناتا سيفرحون؟
هل إذا ذهبت إلى فلسطين وعلّمتهم الفرق بين نغمتي السيكا والبياتي  سينتهي الحصار وينتهي معه كل آلامهم وأحزانهم؟
وبين الحين والآخر تطرأ أمام عينيّ تلك الصورة السرياليّة الساخرة: فأرى نفسي في وسط تفجير "بغدادي"، وسط صيحات الثكالى وأنّات الجرحى، ولا أجد ما أقوله أو أفعله، إلاّ أن أن أغنّي لهم "الورد جميل"!!
أو وسط تفجير "لبناني"، فتتلعثم كلمات المواساة على أطراف شفتاي ولساني، ولا أجد ما أقول سوى أن أشرح لهم الأبعاد الفكريّة والفلسفيّة والنفسيّة لرائعة المؤلّف الموسيقي ريتشارد شتراوس "هكذا تكلّم زرادشت". إنّ هذا كلّ ما أتقنه في الحياة!
أوصلتني كل تلك الجدليّات التي تتخبط في رأسي إلى قناعة: أنّ إخواننا من عُمّال النّظافة هم أقدر على خدمة الإنسانيّة منّي، وتمنّيت لو أنّني عرفت هذا قبل فعملت زبّالاً. اخترت أن أكون زبّالاً لأنّني أضعف من أن أكون طبيباً، فبرأيي عامل النّظافة والطبيب هما المهنتان الأنبل على وجه الأرض.
بناء على هذا، فإنّ أيّ زبّال هو أهم من بيتهوفن. تسعون بالمئة من العالم لا يعنيهم بيتهوفن، بينما إضراب عُمّال النظافة لأسبوع يعني كارثة بيئيّة لا يستطيع إنقاذنا من تبعاتها الصحية إلاّ الأطبّاء. فأين قيمة بيتهوفن في سيناريو كهذا؟؟!
استقررت على هذه القناعة "المؤلمة" فترة من الزّمن، ولكنّها ظلّت تبدو لي -رغم منطقيّة التحليل- غير منطقيّة، ولكنّني مضطرّ إلى قبولها ما دام رُشْدي لم يهدني إلى قناعة أرسخ.
في يوم من الأيّام أصابتني نوبة زكام، فقدّت خلالها حاسّة تذوّقي، ولم أعد أستمتع بالأطعمة التي لطالما كنت أحب.
لطالما كانت أمّي تضع عطر ياسمين خفيف، وكنت كلّما شممت عطراً يُشبهه، يهفو قلبي لأقبّل جبينها، فأتّصل بها لأقول لها كم اشتقت إليها.
رحت أفكّر، ماذا إذا استيقظ العالم كلّه وقد فقد ذاكرته؟ ماذا إذا فجأة نسينا أسماء أحبّائنا، وألوان عيونهم، وروائح أجسادهم؟ ما قيمة الحياة دون ذاكرة؟ ماذا إذا نسي الزوجان الأغنية التي رقصا عليها أول مرة ليلة زفافهما؟ أو الأغنية التي تبادلا عليها أولى نظرات الإعجاب؟ ماذا إذا نسيت الشعوب الموسيقى التي تذكّرهم بأوطانهم، بأهاليهم، بأحبّائهم؟ ماذا إذا نسوا الرقصات التي كانوا يحتفلون بها في أزقّة طفولتهم في الأعياد والمناسبات السعيدة، أيّة بؤس يكون هذا؟ 
الإنسان ذاكرة، وذاكرة الإنسانيّة فنونها. وحدهم الفنّانون يهبون الإنسانيّة ذاكرتها، ويبثّون الحياة في الجغرافيا الصمّاء لتصير "أوطاناً".  
بيتهوفن لم يكن ألمانيّاً! بل (ألمانيا) هي بيتهوفن، وموتزارت، وفاغنر...
لذلك نجد تماثيلهم الصغيرة، وصورهم على الطوابع تُباع كتذكارات للسوّاح في كل أنحاء ألمانيا.. لأن هم من جعلوا (ألمانيا).. (ألمانيا).

الجمعة، 1 يوليو 2011

الطبيب النفسي من الدجاجة، أم البيضة من المختلّ؟!

أعرف كثيرين يتردّدون على الأطبّاء النفسيين، ويتناولون الأدوية التي يصفونها لهم بانتظام.
المفارقة، أنّهم في أغلب الأحيان عقلاء للغاية، وأسوياء جدّاً!
فهم على درجة من الوعي الذّاتي التي تسمح لهم بإدراك أنّهم يعانون من خطب ما في نفوسهم، وهم على درجة من الوعي الثقافي والمعرفي يتيح لهم اتخاذ القرار الحضاري باللجوء للسّبل العلميّة والأخذ بالأسباب.
مع كلّ هذه المؤهّلات، تزول عنهم شبهة الخلل النفسيّ والاضطراب العقليّ تماماً.
المشكلة، في من لا يرى في نفسه خللاً يدعوه لزيارة الطبيب، مع أنّه مختلّ!
ولكن... بما أنّه مُختلّ، سيظلّ اختلالُه يعوقه عن إدراك اختلاله، وسيظل طليقاً في المجتمع دون علاج!
وهنا نكون قد علقنا بحلقة مفرغة: إن كان زوّار الطبيب النفسي من الأصحّاء، والمرضى الحقيقيّون لن يزوروه أبداً! فما هو الحلّ؟
السؤال برسم الأطباء النفسيين الذين ما انفكّوا يحقنون العقلاء، الذين أتوهم طوعاً، بالأدوية والمهدّئات، والمُختلّون "مفلوتون"!
المعضلة أشبه بالسؤال الشهير: الطبيب النفسي من الدجاجة، أم البيضة من المختلّ؟