حين يكون الرغيف هاجساً يومياً يطارد المجتمع، تغدو الثقافة من الكماليات التي تنحصر في فئة محدودة تخلق حراكاً ثقافياً زائفاً لا يعبر عن حقيقة ذاك المجتمع، أو تنشأ ثقافة اجتماعية تتمحور حول "التعاسة" و "البؤس" كالحالة الثقافية المصرية في أغلب أوجهها. أو تنشأ فئة كتب الله عليها أن تعيش الهم الثقافي فتسترزق منه بـ "التنظير" إذا سنحت الفرصة (كحالتي).
ولكن، تبقى الصورة الثقافية خجولة، ومحدودة لا يمكن أن يكون لها وزنها في الثقافة الإنسانية، لذلك تجد حظ العرب في جوائز نوبل يكاد يكون معدوماً مع أنهم تجاوزوا الـ 300 مليون عربي، مقابل شعوب أكثر حظاً ولا تتجاوز البضعة ملايين. (لكننا عادة ما نلوم المؤامرات السياسية المحاكة في جوائز نوبل).
وعلى قول زياد الرحباني "الجوع كافر، والمرض كافر، والذل كافر، بس أنا مش كافر لكن شو بعملك إذا اجتمعوا فيّ كل الأشياء الكافرة"!
فوجئت منذ يومين في مقال كنت أقرؤه أن عدد المهرجانات الثقافية المقامة في ألمانيا سنوياً تتجاوز 600 مهرجان! أي أن أكثر أيام السنة تضم أكثر من مهرجانين. لكننا في العالم العربي ذي الـ 300 مليون نسمة قد لا تجد 5% من هذا العدد من المهرجانات الثقافية سنوياً.
دور الأوبرا في الدول المتقدمة تحف معمارية يتنافس أعظم المهندسين في العالم على تشييدها. بينما جمعيات الثقافة والفنون في بلادنا هي (تكية) أو (مركاز) يتسامر فيه مجموعة من الفنانين والمسرحيين ليندبوا سوء حظهم على فنجان (الشاهي) في المساء، بعد انتهائهم من عملهم الصباحي الذي يؤمّن لهم لقمة العيش، وعملية شراء (المقاضي) اليومية.
وإذا خاطر أحدهم بلقمة عيشه وتفرّغ للخروج بتجربة ثقافية حقيقية من تحت أنقاض الرمال المتحركة، واجهته ألف عقبة اجتماعية، لا يمكن أن يفهمها شخص في العالم إلا السعودي، الذي يتمتع مجتمعه بـ "خصوصيات" لها أول وليس لها آخر.
اللهاث خلف لقمة العيش من جهة، و "الخصوصيات" (التي لم أعد قادراً على إحصائها) من جهة أخرى، والتركيبة الاجتماعية (التي لا يمكن لأحد أن يزعم أنه يفقهها ولكنها شعار يرفعه كل من يريد للزمان أن يتوقف) من جهة، كلها عوامل تجعلنا بين الدول الأخيرة على المستوى الثقافي.
ولكن ما يثلج صدورنا أن وزارات الثقافة المتتالية، وجيلاً بعد جيل، لا تزال تجول العالم بفرق "الخبيتي" لتقديم عروضهم الساحرة في أنحاء العالم، ويصفق لهم الجمهور على الإيقاع.
عزيزي وزير الثقافة، إذا لم تقدم محاضرة أنثروبولوجية، إثنولوجية، اجتماعية معمقة حول "الخبيتي" قبل عرضه، تشرح عمقه التاريخي وأوجه جماله ورمزية حركاته، فإنك تقدم للـ "آخر" مجرد "عروض جمباز" (نوع من أنواع الرياضة).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق