الأربعاء، 29 يونيو 2011

من المكسيكي للتركي... لماذا؟

كل عقد من الزمن، "ينفلت" الإعلام العربي على ثقافة جديدة. ففي العقد المنصرم شاعت الثقافة المكسيكية، فلبست فتياتنا أزياء (كسندرا) الغجرية، وأطال شبابنا شعورهم كـ (أليخاندرو).
واليوم نشهد "انفجار" المسلسلات التركية، فغدت كل فتياتنا "نور" وشبابنا "مهند" (مع أنني اكتشفت أن "مهند" في آخر المسلسلات التي تعرض اسمه "بهلول"، لكنني أشكر القائمين على الدبلجة أنهم غيروا اسمه إلى "مهند"، وإلا كنا تحولنا جميعاً إلى "بهاليل"!).
المسلسلات التركية اليوم هي حديث المجالس. ويرسل المشاهدون في شوق إلى المحطة التي تبثها، لكي يعرفوا أحداث الحلقة المقبلة قبل عرضها، وأحسب أن الرسائل النصية تكلف أموالاً طائلة.
ما هو سر افتتاننا بتلك المسلسلات؟
أحسب أن تلك المسلسلات تزودنا بجرعات من مشاعر الحب، والجمال، والقصص الشاعرية الغامرة التي تفتقدها حياتنا، وتشتاق إليها نفوسنا.
نساء جميلات، ورجال وسيمون، وطبيعة خلابة، وأزياء ملفتة، وتصاميم معمارية ممتعة للبصر. يقابل ذلك إحصائيات تفيد أن حوالي 56% من الشعب السعودي يعاني من السمنة، (والجدل قائم حول ممارسة الرياضة في مدارس البنات)، ولا يكاد يمر يوم دون أن ترى "مهذباً" يمخط في الشارع ويبصق، والمعمار عبارة عن ضوضاء بصرية بلا هوية ولا فن، والوجوه كالحة إذا تبسمت لأحدهم في الشارع يحسبك "تغازل" حريمه فيكفهر وجهه، وشوارعنا "تطفح" بمياه التصريف الصحي. كل هذا يجعل من المسلسل التركي ساعة هروب إلى واقع أقرب ما يكون إلى الحلم.
والسؤال: ما الذي يمنعنا من أن نكون "مسلسل تركي"؟ البسمة بيننا صدقة، والله جميل يحب الجمال، والنظافة من الإيمان، وقد وصينا بتعليم أبنائنا "السباحة والرماية وركوب الخيل"، و"الخير واجد" والحمد لله لنصنع أجمل المدن وأكثرها عصرية وأناقة، فما المشكلة؟

نحن نعاني ضعفاً في ممارسة "ثقافة الحياة". لم نعتد الفرح، نشأنا على كلمات التحذير والوعيد و"العيب"، إذا قطعنا الشارع دون انتباه وكادت تدهسنا سيارة يضربنا آباؤنا ضرباً مبرحاً إلى الحد الذي تفوق أضراره الجسدية دهس السيارة. آباؤنا لا يعبرون عن حبهم لبعض أمام أبنائهم، لا يتسامرون، لا يلعبون، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسابق أمنا عائشة ويلاعبها.
نحتاج إلى دورات في حب الحياة، لكي تحبنا الحياة.
فاجأني إعلان يحث على التصدق بأكفان للمسلمين الذين لا يجدون ثمن كفن يستر موتهم. من المفترض أن ترتقي صدقاتنا وزكواتنا بحياة الفقراء، وإذ بها تفشل فلا نفلح إلا أن نكفنهم! هذا مسلسل مأساوي، وليس "تركي".

الثلاثاء، 28 يونيو 2011

أن تكون كاتباً!

أن تكون كاتباً في عالمنا العربي، يعني أن تتحوّل عصارة فكرك، وثقافتك، وروحك إلى... (سُفرة)، يتناول عليها العرب موائدهم الشهيّة، أو يلفّون بها (عرائس) فلافلهم الغنيّة بالتوابل والطحينة.
لو تذكر كلّ كاتب صُحفيّ هذه الحقيقة المؤلمة، لتوقّف عن سلّ قلمه كلّ مساء، ظانّاً أنّه سيُغيّر العالم بهذا القلم "السّحريّ"، ويجعل العالم مكاناً أفضل (حسب مفهومه الخاص للـ "أفضل" طبعاً)!
ما من شيء سحريّ في هذا العالم، ولا شيء يُجدي في عالمنا العربي، وهذا ما يُثبته تاريخنا الجغرافي، وجغرافية تاريخنا. فالأنبياء مرّوا من هنا، ونحن... لم نزل "نحن"!
ولكنّنا لم نزل نكتب، وسنظل نكتب، وعلينا أن نقتنع، ونعترف، أنّنا نكتب لأنّنا خُلقنا هكذا! فالكاتب يُخلق كاتباً، كما يُخلق الطويل طويلاً، والقصير قصيراً، والمتخلّف... مُتخلّفا!!ً

الاثنين، 27 يونيو 2011

ثقافة "حب الحياة"

في ضوضاء الحياة اليومية، وفي ساعات اللهاث الطويلة خلف لقمة العيش، تشرق لحظة يقرر المرء أن يسرق من الزمان دقائق لنفسه، ولتطوير ذاته، فيسود تفكيره شيء من الإيجابية والتفاؤل، فيقرر أن يغير حياته ويضع نظاماً "حضارياً" لأيامه. يقرر أن يمارس الرياضة كل يوم، وأن يقرأ كتاباً كل أسبوع، ويبدأ بتعلم لغة، ويتطلع إلى استثمار مواهبه في شيء مفيد كإقامة معرض للصور الفوتوغرافية إذا كان يحب التصوير، أو معرض للوحات إذا كان رساماً، أو كتابة كتاب إذا كان كاتباً، وهلم جر...
ولكن، تشرق الشمس على نهار جديد، ويتصل به مديره يستعجله لحضور اجتماع ما، فيلبس زيه الرسمي. يعدل شماغه، أو يعقد ربطة عنقه، ليظهر في مظهر مناسب اجتماعياً، ليبدو وكأنه خضع لعملية استنساخ ليشبه كل من حوله، فلا قيمة للذوق الشخصي، ولا وجود للفرد! ويركض مسرعاً لحضور اجتماعه الهام.
تتلاشى في تلك اللحظات كل القرارات الإيجابية التي راودته، ويعود إلى حالة اللهاث.
أحسب أن جميعنا نمر في هذه المراحل بشكل دوري، (أو على الأقل هؤلاء الذين يتمتعون بالطموح، والرغبة بالتغيير إلى الأفضل).
اغتنم تلك اللحظات المشرقة، وأوقف الزمان عندها!
خذ قلماً في يدك، واكتبها على ورقة. ضعها في جدول يقسم ساعات النهار، وحدد أهدافك بوضوح، واكتبها! اكتبها! اكتبها! ليس للأفكار قيمة إذا لم يخلدها الورق، وإلا فهي مجرد وساوس مزعجة، تذهب وتأتي وتتحكم بك بدلاً من أن تتحكم بها، وتخلف وراءها شعوراً بالحسرة والاكتئاب.
اعرف أن اليوم يتسع لكل أحلامك، والجبل هو تجمع لحبيبات رمل دقيقة، والنجاح هو تراكم يومي لأعمال صغيرة، وخطوة صغيرة تصنع المعجزات.
قرر أن تحول لهاثك اليومي إلى حالة من المرح، وسعي مستمر إلى إتقان عملك بما يرضي الله، وإلى تطوير مهاراتك في مجال عملك.
خصص ساعة يومية لتطوير ذاتك، بالقراءة أو تعلم لغة. خصص نصف ساعة لممارسة الرياضة. وخصص ساعة في السعي الجاد لتحقيق حلم. تلك ساعتان ونصف.
وباقي اليوم... خصصه للحب!
لحب الله، لحب ذاتك، لحب عائلتك، لحب أصدقائك، لحب أبنائك، لحب كل ما يحيط بك.
واقض عمرك كله في تعلم ثقافة "حب الحياة". واستمتع كل لحظة بتلك الأنفاس التي من الله عليك بها... لأنها نعمة زائلة.
(إن كنت ساهمت بمقالي هذا بدفع فرد واحد نحو التغيير الإيجابي، وإن كان هذا الفرد هو أنا ذاتي، أكون قد حققت رسالتي في الحياة.)

الأحد، 26 يونيو 2011

عزاؤنا في الثقافة ... عروض "الخبيتي" المتجولة!!

حين يكون الرغيف هاجساً يومياً يطارد المجتمع، تغدو الثقافة من الكماليات التي تنحصر في فئة محدودة تخلق حراكاً ثقافياً زائفاً لا يعبر عن حقيقة ذاك المجتمع، أو تنشأ ثقافة اجتماعية تتمحور حول "التعاسة" و "البؤس" كالحالة الثقافية المصرية في أغلب أوجهها. أو تنشأ فئة كتب الله عليها أن تعيش الهم الثقافي فتسترزق منه بـ "التنظير" إذا سنحت الفرصة (كحالتي).
ولكن، تبقى الصورة الثقافية خجولة، ومحدودة لا يمكن أن يكون لها وزنها في الثقافة الإنسانية، لذلك تجد حظ العرب في جوائز نوبل يكاد يكون معدوماً مع أنهم تجاوزوا الـ 300 مليون عربي، مقابل شعوب أكثر حظاً ولا تتجاوز البضعة ملايين. (لكننا عادة ما نلوم المؤامرات السياسية المحاكة في جوائز نوبل).
وعلى قول زياد الرحباني "الجوع كافر، والمرض كافر، والذل كافر، بس أنا مش كافر لكن شو بعملك إذا اجتمعوا فيّ كل الأشياء الكافرة"!
فوجئت منذ يومين في مقال كنت أقرؤه أن عدد المهرجانات الثقافية المقامة في ألمانيا سنوياً تتجاوز 600 مهرجان! أي أن أكثر أيام السنة تضم أكثر من مهرجانين. لكننا في العالم العربي ذي الـ 300 مليون نسمة قد لا تجد 5% من هذا العدد من المهرجانات الثقافية سنوياً.
دور الأوبرا في الدول المتقدمة تحف معمارية يتنافس أعظم المهندسين في العالم على تشييدها. بينما جمعيات الثقافة والفنون في بلادنا هي (تكية) أو (مركاز) يتسامر فيه مجموعة من الفنانين والمسرحيين ليندبوا سوء حظهم على فنجان (الشاهي) في المساء، بعد انتهائهم من عملهم الصباحي الذي يؤمّن لهم لقمة العيش، وعملية شراء (المقاضي) اليومية.
وإذا خاطر أحدهم بلقمة عيشه وتفرّغ للخروج بتجربة ثقافية حقيقية من تحت أنقاض الرمال المتحركة، واجهته ألف عقبة اجتماعية، لا يمكن أن يفهمها شخص في العالم إلا السعودي، الذي يتمتع مجتمعه بـ "خصوصيات" لها أول وليس لها آخر.
اللهاث خلف لقمة العيش من جهة، و "الخصوصيات" (التي لم أعد قادراً على إحصائها) من جهة أخرى، والتركيبة الاجتماعية (التي لا يمكن لأحد أن يزعم أنه يفقهها ولكنها شعار يرفعه كل من يريد للزمان أن يتوقف) من جهة، كلها عوامل تجعلنا بين الدول الأخيرة على المستوى الثقافي.
ولكن ما يثلج صدورنا أن وزارات الثقافة المتتالية، وجيلاً بعد جيل، لا تزال تجول العالم بفرق "الخبيتي" لتقديم عروضهم الساحرة في أنحاء العالم، ويصفق لهم الجمهور على الإيقاع.
عزيزي وزير الثقافة، إذا لم تقدم محاضرة أنثروبولوجية، إثنولوجية، اجتماعية معمقة حول "الخبيتي" قبل عرضه، تشرح عمقه التاريخي وأوجه جماله ورمزية حركاته، فإنك تقدم للـ "آخر" مجرد "عروض جمباز" (نوع من أنواع الرياضة).

لا إنجليزي ولا عربي!!


ما معنى المفردات التالية: سِنَة، يؤوده، الصمد، الفلق، غاسق، وقب، النفاثات، العقد، الخناس؟
تلك المفردات من آية الكرسي، وسورة الصمد والفلق والناس. وهي آيات يقرؤها كل مسلم في أوراده اليومية على ما أعتقد. ومع ذلك، فإنني أراهن أن كثيراً من العرب لا يعرفون معانيها، وحوالي 80% من المجتمع السعودي لا يعرفون معانيها كذلك.
تلك أزمة حقيقية! وخاصة أننا من الشعوب النادرة عالمياً والتي تنتمي للغتها، فالعروبة ليست عرقاً أو جنساً أو قبيلة، بل هي لغة. والعربي هو كل من يتكلم هذه اللغة بصفتها لغته الأم. كما أنها اللغة التي يقوم عليها الإسلام، كون القرآن منزل بهذه اللغة، وأية عملية ترجمة أو تفسير تفقد المعنى الحقيقي للقرآن إلى حد بعيد للغاية.
يدل سوق العمل أن مستوى اللغة الإنجليزية التي يتخرج به طلابنا ضعيف للغاية، والجدل لم يزل مستمراً حول تعليم اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية.
وأتفاجأ كل يوم، من خلال تواصلي المستمر مع شباب سعوديين، يرسلون سيرهم الذاتية، ويتواصلون من خلال البريد الإلكتروني والرسائل، وغيرها، أن مستوى اللغة العربية ضعيف للغاية كذلك، والبديهيات اللغوية غائبة إلى أقصى الحدود. أخطاء إملائية سخيفة، عجز عجيب في إتقان القراءة، وضعف في تركيب أبسط الجمل الصحيحة. ونحن وطن الإسلام والعروبة.
هذا يعني أننا نخرّج أبناءنا وهم لا يتقنون أي لغة يتواصلون من خلالها مع المجتمع، أو مع "الآخر" !
وأعتقد أن الأزمة تبدأ من البيت، فنحن شعوب لا تتقن "ثقافة القراءة"، ولا تزرع الفضول المحمود الذي يستفز المرء لتوسيع أفقه وإيجاد الإجابات على تساؤلاته من خلال عملية القراء. بينما القراءة هي السبيل الوحيد لتطوير القدرات اللغوية.
حتى أن الفضول لا يدفعنا للبحث عن معاني كلمات نقولها كل يوم في أورادنا الدينية وفي صلواتنا!
جدتي كانت أمية، ولا تعرف القراءة أو الكتابة، والعجيب أنها كانت لا تتقن إلا قراءة القرآن الكريم، إيماناً من مجتمعها والقائمين على تعليمها أن قراءة القرآن عماد من أعمدة الدين. وحالة جدتي شائعة في بلاد الشام.
مجتمعاتنا المخملية تتواصل مع أبنائها بالإنجليزية، فتجد أطفالنا وهم في السنتين من عمرهم يقولون كلمات إنجليزية ولا يعرفون المفردات العربية لتلك الكلمات: (نوز) و (آيز) و (تونغ) و (ماوث) و (توتش) و (إير) هي الحواس. في طموح من الأهل لتمكين أولادهم من التحدث بطلاقة باللغة العالمية في عصرنا الحديث، لأن ذلك يساهم في تطوير مستقبلهم.
ولكن، ماذا عن لغتهم الأم؟ إنك لا تجد ألمانياً، أو فرنسياً، أو أوروبياً بشكل عام يتقن الإنجليزية أكثر مما يتقن لغته. بل تجد لديهم اعتزازاً بلغتهم. وإنك لو تتمشى في أسواق باريس، تجد أن كثيراً من الباريسيين يصرون على التحدث معك بالفرنسية رغم إتقانهم للإنجليزية، لكنهم يسعون إلى سيادة لغتهم التي تمثل ثقافتهم العريقة في الأدب والفلسفة والعلوم.
فلماذا نحن لا نتقن قراءة موروثنا الثقافي العربي والإسلامي الذي كان المنارة التي مهدت لنشوء الحضارة الغربية؟ أكاد أجزم أن 95% من السعوديين لا يتقنون استخراج معنى كلمة من القاموس المحيط، ذي المنهجية المتميزة في ترتيب الكلمات، للفيروز أبادي (الفارسي الأصل). بينما يسعى كثير من المستشرقين لتعلم العربية ليحيطوا بالموروث الثقافي العريق والغني لهذه اللغة الجميلة.