كل عقد من الزمن، "ينفلت" الإعلام العربي على ثقافة جديدة. ففي العقد المنصرم شاعت الثقافة المكسيكية، فلبست فتياتنا أزياء (كسندرا) الغجرية، وأطال شبابنا شعورهم كـ (أليخاندرو).
واليوم نشهد "انفجار" المسلسلات التركية، فغدت كل فتياتنا "نور" وشبابنا "مهند" (مع أنني اكتشفت أن "مهند" في آخر المسلسلات التي تعرض اسمه "بهلول"، لكنني أشكر القائمين على الدبلجة أنهم غيروا اسمه إلى "مهند"، وإلا كنا تحولنا جميعاً إلى "بهاليل"!).
المسلسلات التركية اليوم هي حديث المجالس. ويرسل المشاهدون في شوق إلى المحطة التي تبثها، لكي يعرفوا أحداث الحلقة المقبلة قبل عرضها، وأحسب أن الرسائل النصية تكلف أموالاً طائلة.
ما هو سر افتتاننا بتلك المسلسلات؟
أحسب أن تلك المسلسلات تزودنا بجرعات من مشاعر الحب، والجمال، والقصص الشاعرية الغامرة التي تفتقدها حياتنا، وتشتاق إليها نفوسنا.
نساء جميلات، ورجال وسيمون، وطبيعة خلابة، وأزياء ملفتة، وتصاميم معمارية ممتعة للبصر. يقابل ذلك إحصائيات تفيد أن حوالي 56% من الشعب السعودي يعاني من السمنة، (والجدل قائم حول ممارسة الرياضة في مدارس البنات)، ولا يكاد يمر يوم دون أن ترى "مهذباً" يمخط في الشارع ويبصق، والمعمار عبارة عن ضوضاء بصرية بلا هوية ولا فن، والوجوه كالحة إذا تبسمت لأحدهم في الشارع يحسبك "تغازل" حريمه فيكفهر وجهه، وشوارعنا "تطفح" بمياه التصريف الصحي. كل هذا يجعل من المسلسل التركي ساعة هروب إلى واقع أقرب ما يكون إلى الحلم.
والسؤال: ما الذي يمنعنا من أن نكون "مسلسل تركي"؟ البسمة بيننا صدقة، والله جميل يحب الجمال، والنظافة من الإيمان، وقد وصينا بتعليم أبنائنا "السباحة والرماية وركوب الخيل"، و"الخير واجد" والحمد لله لنصنع أجمل المدن وأكثرها عصرية وأناقة، فما المشكلة؟
نحن نعاني ضعفاً في ممارسة "ثقافة الحياة". لم نعتد الفرح، نشأنا على كلمات التحذير والوعيد و"العيب"، إذا قطعنا الشارع دون انتباه وكادت تدهسنا سيارة يضربنا آباؤنا ضرباً مبرحاً إلى الحد الذي تفوق أضراره الجسدية دهس السيارة. آباؤنا لا يعبرون عن حبهم لبعض أمام أبنائهم، لا يتسامرون، لا يلعبون، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسابق أمنا عائشة ويلاعبها.
نحتاج إلى دورات في حب الحياة، لكي تحبنا الحياة.
فاجأني إعلان يحث على التصدق بأكفان للمسلمين الذين لا يجدون ثمن كفن يستر موتهم. من المفترض أن ترتقي صدقاتنا وزكواتنا بحياة الفقراء، وإذ بها تفشل فلا نفلح إلا أن نكفنهم! هذا مسلسل مأساوي، وليس "تركي".